دليل الحاج و المعتمر اصدار 1434هـ

خطبة يوم عرفات 1432هـ - سماحة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ

عرض المقال
خطبة يوم عرفات 1432هـ - سماحة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ
3112 زائر
17-11-2011 11:48
سماحة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ

إن الحمد لله، نحمده ونستعينُه ونستغفره ونتوبُ إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد، فيا أيها الناس:

اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى، وراقِبوه في السرِّ والنجوى؛ لتنالوا الصلاحَ والخيرَ في الدنيا، والنجاحَ والفلاحَ في العُقبى.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 102].

أمة الإسلام:

بعثَ الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بالهُدى ودين الحقِّ بشيرًا ونذيرًا برسالةٍ كافَّةٍ إلى جميع الخلق؛ ليُخرِج الناسَ من ظلمات الكفر والضلال إلى نور التوحيد والإيمان، ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم والرشاد، ومن عبادة النفوس والشيطان إلى عبادة الملك الديَّان، ومن نزوات الشبعينية إلى سموِّ الأخلاق الإسلامية، ومن طُغيان العقل والهوى إلى انضباط الشرع ووحي السماء، ومن التعلُّق بالدار الفانية إلى التعلُّق بالدار الباقية بالنعيم بالدرجات العُلى.

أيها المسلمون:

إن الله شرعَ دينَ الإسلام ليكون منهجَ حياةٍ للبشرية يسيرون طبقَ أحكامه وتعليماته، فما شأنٌ من شؤون الدنيا إلا وللإسلام فيه حكمٌ وبيانٌ؛ ليُحقِّقَ العبادُ الغايةَ التي لأجلها خُلِقوا: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]، ولتستقيمَ حياتُهم كلها عقيدةً وعبادةً وسلوكًا وشخصيةً ومعاملة وأخلاق وسياسة وتعليم، إلى غير ذلك بصِبغة الإسلام، قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ [الأنعام: 162، 163].

وقد رسمَ الإسلامُ هذا المنهجَ بأعظم بيانٍ وأجلَى عبارة، فأقام أدلتَه، ووضَّح معالمَه، وأرسَى قواعِدَه بما يشفِي بلا لبسٍ ولا غموضٍ، كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص: 29]، مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: 38]، وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: 89].

بيَّن لهم أصولَ عقائدهم في الإيمان بالله وإخلاص التوحيد له، وصرفِ كل العبادة له - جل وعلا -، وأن هذه العبادة لا يستحِقُّها سواه - جل وعلا -، لا ملَكٌ مُقرَّب ولا نبيٌّ مُرسَل.

وبيَّن لهم حقيقةَ توحيد أسماء الله وصفاته بأن تُثبَت لله الأسماءُ والصفات على ما يليقُ بجلال الله إثباتًا بلا تأويل، وتنزيهًا بلا تعطيل، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11].

بيَّن لهم الإيمانَ بملائكته المُقرَّبين المُبرَّأين من كل نقصٍ يعترِي البشرية، عبادٌ مُكرمَون، لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: 6]، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: 20].

وبيَّن لهم الإيمانَ بكتبِ الله التي أنزلَها على أنبيائه، وهو: التوراة والإنجيل والقرآن والزَّبور وصُحُف إبراهيم وموسى، إلا أن القرآن الكريم أفضلُها وأجمعُها، مُهيمِنًا عليها كلها، يُحِقُّ الحقَّ ويُبطِلُ الباطِلَ، وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: 48].

والإيمانَ برُسُل الله الذين اصطفاهم الله لهداية البشرية نُؤمِنُ بهم جميعًا ولا نُفرِّقُ بينهم، وهم مُتفاوِتون في الفضل، وأفضلُهم سيدُهم وخاتَمهم محمد - صلى الله عليه وسلم -، فالإيمانُ به إيمانٌ بجميع الرسل، والكفرُ به كفرٌ بجميع الرسل: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ .. [البقرة: 285] الآية.

والإيمان بقضاء الله وقدَره، وأن ما شاءَ الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن كل ما يجري فهو بإرادة الله الكونية، هو بكل ما سُطِّر في اللوح المحفوظ وما كان في الأَزَل، لا يكونُ شيءٌ من ذلك لا من شؤون الكون ولا من أحداث البشر، وأن الله أعطى العبدَ إرادةً واختيارًا بلا إجبار، يختارُ فيها ما يشاء؛ فإن اختارَ الخيرَ جُوزِيَ به، وإن اختارَ غيرَ ذلك عُوقِبَ عليه: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: 7، 8]، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس: 9، 10].

ويُؤمنُ العبدُ بأنه لن يكون دائمًا في هذه الدنيا؛ بل سيرحلُ عنها إلى القبر فإما نعيمٌ وإما عذاب، وبعد ذلك البعثُ والنُّشور والكتب وميزانُ الأعمال، وعند ذلك ينالُ المؤمنونَ فضلَ الله في درجات النعيم، وينالُ غيرُهم من الكفار العذابَ الأليم، وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ [الشعراء: 90، 91].

بيَّن الله للعباد طريقَ ما يُقرِّبُهم إليه ويُبقِي صلتَهم به؛ فشرعَ لهم من أنواع العبادة المتعدِّدة، لتستوي الصلاة والزكاة والصوم والحج والأذكار وغير ذلك، ليكون العبدُ دائمَ الصلةِ بربِّه ليُحقِّقَ سموَّ الروحية، وحياةً كريمة، وتزكيةً للنفس، وسعادةً في الآخرة.

أيها المسلمون:

أوضحَ الإسلام للأمة القواعدَ التي تقوم عليها الأسرة، وأن الأسرة هي الخليَّة الأولى في بناء المُجتمع، وبيَّن لهم اقترانَ الزوجين في الزواج المشروع، وما لكلٍّ من الزوجين من واجبٍ وما عليه من حقٍّ، ودعاهم إلى تربية الأولاد تربيةً إيمانيةً لينشأ جيلٌ صالحٌ في نفسه نافعًا لأمَّته، أفرادُه لبِناتٌ صالحة لبناءِ مجتمعٍ صالحٍ.
وبيَّن حقوقَ الآباء من البرِّ والإحسان: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [النساء: 36]، وحقُّ الأبناء في التربية والتوجيه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم: 6]، وبيَّن حقَّ الرَّحِم بالصلةِ والمودَّة؛ لتكون الأسرة أسرةً قويةً مُتماسِكة بين التمسُّك والتشدُّد.

أيها المسلمون:

وأوضحَ الإسلامُ للمُجتمع قواعدَ العلاقة الاجتماعية، وأنه أقامَها على الإيمان والأُخُوَّة الإيمانية: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10]، ودعا المؤمنين للتناصُر والتآلُف: «مثلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم كمثَل الجسَد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعَى له سائرُ الجسد بالحُمَّى والسهر»، وحثَّهم على أن يحمِيَ كلٌّ منهم كرامةَ أخيه ويُبعِد عن إهانته، والسعي في مساعدته، «المسلِمُ أخو المسلم، لا يظلِمُه ولا يُسلِمه»، «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، من فرَّج عن مسلمٍ كربةً من كُرَب الدنيا فرَّج الله عنه كُربةً من كُرَب يوم القيامة».

بيَّن لهم أصول التعامُل التجاري والمالي؛ فبيَّن العقود المباحة والمُحرَّمة، أباحَ البيعَ وحرَّم الربا، وأمر بالوفاء بالعقود وأداء الأمانة، والنُّصح والصدق في البيع والشراء، والبُعد عن التدليس والغشِّ والخِداع والقالَة والغَرَر.
بيَّن لهم تعالى الحلالَ والحرام من المطعوم والمشروب؛ فأباحَ الطيبات مما يُؤكَلُ ويُشرَب إذا لم يكن سرَفٌ ولا تبذير، حرَّم عليهم الميتَة ولحم الخنزير والمُسكِرات والمُخدِّرات وكلَّ ما يُهدِّدُ صحةَ الإنسان.
أرشدهم إلى مكارم الأخلاق ومحاسنِ العادات؛ فأمر بالصدق والإخلاص والبرِّ والإحسان والعدل والصفحِ والحلمِ والكرمِ والجُود، وحرَّم عليهم الخِصالَ الذميمة؛ من غيبةٍ ونميمة وقذفٍ وسُخريةٍ واستهزاءٍ وسُوء ظنٍّ بالمسلمين.

حرَّم عليهم الفواحِشَ صغيرَها وكبيرَها، وكلّ ما يؤدِّي إليها؛ فحرَّم الزنا وما يُقرِّبُ إليه؛ من خلوةٍ بالأجنبية، أو سفرٍ بلا محرَم، أو علاقةٍ جنسيةٍ تُخالِفُ الشرعَ، كما حرَّم عليهم السرقةَ والقتلَ والعُدوان والظلمَ على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأعراف: 33].

شرعَ لهم عقوباتٍ شرعية لمن سلكَ طريقَ الإجرام وانتهَكَ الحُدودَ والمُحرَّمات؛ ليكون عقوبةً لمن وقع فيها وعبرةً لمن لم يقع فيها؛ فشرعَ القِصاصَ في العُداون: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة: 179]، شرعَ حدَّ الزنا لردعِ المُحصَن وغير المُحصَن، وحدَّ القتل، وحدَّ القذف، وحدَّ شُرب الخمر، وحدَّ البُغاة والمُفسِدين وقُطَّاع الطرق.
وأرشدَ للعدل والإنصاف باستيفاء الحقوق وأداء كلٍّ حقَّه؛ فنهى عن حديث القضاء، وأي مأربٍ مع أحد الخصمَين لقرابةٍ أو هوًى، يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص: 26].

بيَّن لهم أن الولايةَ بين المسلمين قائمةً على العقيدة الإسلامية لا على الوطنية والقبيلة، بيَّن لهم حقوقَ الحاكم على رعيَّته؛ من وجوب طاعة وليِّ الأمر فيما أمر واجتناب ما نهى ما لم يأمُر بمعصية أو ينهَى عن خير، وحثَّهم على عدم مُنازعة الحاكم، وأرشدَهم إلى الوقوف معه في كل الشدائد، والتعاوُن معه فيما يحفَظُ على الدولة من قُدراتها ومكاسبها، وحثَّ الحاكمَ على العدل في رعيَّته وتحقيق الحياة الكريمة لهم والرِّفقِ والشفقة والعدل بينهم، وعدمِ ظُلمهم وعدم المُحاباة بينهم.

حثَّ المجتمعَ المسلم على التعاوُن والتآلُف، وحذَّرَهم من النِّزاع، وأمرهم باجتماع الكلمة: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [آل عمران: 103]، وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال: 46].

أمرَهم بتحكيم الشرع في كل شؤون حياتهم الفردية والجماعية؛ لتكون حياتَهم محكومةً بما شرعَ لهم من أحكام، وما وضع من قواعد وضوابط، وما شرعَ من معالم وحُدود، وما أرشد إليه من أخلاقٍ وفضائل، أرشد إلى النهوض بالأمة علميًّا واقتصاديًّا وزراعيًّا وصناعيًّا، وأرشد إلى الأخذ بكل سببٍ فيه التقدُّم والرُّقِيّ ما لم يُخالِف ما دلَّ الإسلامُ عليه.

هذا شرعُ الله؛ منهجٌ مُتكامل للحياة، جاء لإسعاد البشرية، والتوازُن بين الروح والمادة، وللربط بين العقل والوحي، وبين العلم والدين، وبين العقيدة والشريعة، وبين العبادة والاقتصاد والأخلاق، وبين الدنيا والآخرة، وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص: 77].

أيها المسلمون:

إن هذا المجتمعَ الذي أقامَه الإسلامُ على منهجٍ رباني له خصائص تُميِّزُه عن كل مجتمع لا يدينُ بدين
الإسلام؛ فمن خصائص هذا المجتمع:

شُيوع الأمن والطمأنينة فيه، وذلك بوجودِ رادعٍ إيمانيٍّ في قلب المسلم يردَعه من الجريمة؛ لأن دين الإسلام يُرشِدُ أتباعَه إلى احترام الدماء واحترام الأموال واحترام الأعراض؛ يبتعدوا عنها ويدينوا اللهَ به، أما القوانين البشرية فإنها وإن قوِيَت فمتى تفلَّت منها انقضَّ على كل جريمةٍ من غير خجَلٍ ولا حياءٍ.

ومن خصائص هذه الشريعة أيضًا: حفظُ الحقوق العامة لكل الخلق؛ حفِظَ حقوق الآباء في البرِّ والإحسان، وحقوقَ الأبناء في التوجيه والإرشاد، وحقوقَ الأقارب في الصِّلَة والمودة، وحقَّ الكبير في الإكرام والاحترام، وحقَّ الصغير واليتيم في الشَّفَقة والحنان، وحقَّ المرأة في الإكرام، وحقَّ الجار في المُعاملة الطيبة، وحقَّ غير المسلمين أيضًا من مُعاهَدين ومُستأمنين، وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا [المائدة: 8].
مجتمعٌ شعائرُ الإسلام فيه ظاهرة: أذان وصلاة، وصوم وزكاةٌ وحج، وأخلاقٌ إسلامية يُطبِّقُها المسلمُ في حياته كلها، فليس هناك عقائد مخفيَّة ولا فرائض وأحكام مُستترة، ولكن هذا دأب أئمة الضلال الذين يتستَّرون على عقائدهم وأخفوا مبادئهم وأظهَروا خلافَ ما يعتقدون.

من خصائص هذه الشريعة: أنها مجتمعٌ أخلاقيٌّ ينبُذُ الرذيلة ويدعو إلى الحجاب والسِّتر والعفاف.
من خصائص هذا المجتمع المسلم: أنه مجتمعٌ متعاوِن أفرادُه مُتعاوِنون على البر والتقوى، وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة: 71]، وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: 3].

من خصائصه: الربطُ بين جميع أفراده برابطة الإيمان، آخَى الإسلامُ بين المسلمين على اختلاف الألوان والأجناس والقبائل، ولكنه آخَى بينهم بهذا الدين: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10].
من خصائصه: أن الكرامة فيه إنما هي للتقوى، يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: 13] لا لجاهٍ ومالٍ ومنصبٍ، ولكن التقوى يكرُمُ ويسعُدُ بها الإنسان.

من خصائصه: الالتِحامُ بين الراعي والرعيَّة؛ فالراعي يبحَث مشاكلَ رعيَّته، ويسعى في حلِّ مشاكلهم، وتضميدِ جِراحِهم، ومُساعَدة مُحتاجِهم، والرعيَّة يُقابِلون ذلك بمحبَّة راعِيهم والدعاء له والوقوف معه في كل الأحوال، هكذا يريدُ الإسلامُ من المجتمع المسلم.

من خصائص هذا المجتمع المسلم: أنه مجتمعٌ تتكاملُ جميعُ مُؤسَّساته كاملة؛ شرعيَّةً تعليميَّةً ثقافيَّةً اقتصاديَّةً قضائيَّةً أمنيَّةً، الكلُّ في حِمَى الدين، والحِفاظُ على هويَّته ومنعه من التميُّع والتغريب.

أيها المسلمون:

من خصائص هذا الدين: أنه مجتمعٌ ربَّاني، فالإسلامُ يُنظِّمُ شؤونَه العامة، سِياسية واقتصادية؛ فحياةُ المجتمع مُرتبطةٌ بهذا الدين لا بأهواء الناس وآرائهم وما يهوَون وما يُحبُّون.

من خصائص هذا الدين: أن القِيَم والأخلاق المعنوية مُقدَّمةٌ على المصالح المادية، فالمصالحُ المادية مهما تنوَّعَت أجزاؤها لا بُدَّ لقبولها ألا تُخالِفَ قواعِدَ الشرع وقِيَمه وأخلاقَه.

من خصائص هذه الشريعة: أنه مُجتمعٌ دينيٌّ ومدنيٌّ في آنٍ واحد، فما في الإسلام تفريقٌ بين الجِنسَيْن، فالمؤمنُ يُصلِّي ويصوم ويُزكِّي ويحُجُّ ويذكُر الله، تراه في متجَره، تراه في مركزه البحثي اقتصاديًّا زراعيًّا طبيًّا صناعيًّا، تراه دائمًا في كل شؤون الحياة، فدينُه يدعو إلى ذلك أن يكون مؤمنًا صالحًا نافعًا لمُجتمعه، قائمًا بما طُلِب منه.

هكذا المسلم - أيها الإخوة -، فإنه مجتمعٌ مدنيٌّ ودينيٌّ في آنٍ واحد.

أيها المسلمون:

هذه الخصائص والمُميِّزات لهذا المجتمع إنما تُؤثِّر إذا كملت جميعًا بجميع أجزائها، وإنما تتَكامَل إذا أدَّى كلُّ فردٍ منا واجبَه الديني ومسؤوليته الاجتماعية وأمانته الوظيفية؛ فالأبُ يُؤدِّي واجبَه نحو أبنائه تربيةً وتوجيهًا.
والمُعلِّم يُعلِّمُ تلاميذَه، ويغرِسُ فيهم حبَّ الخير، ويُعاملهم معاملةً نافعةً والطريقة المُستقيمة.
المُفتون ودُعاة الخير يُفتون الناسَ في أمور دينهم، ويحُلُّون قضاياهم، ويُجيبون عن مشاكلهم ونوازلهم بما يُوافقُ الكتابَ والسنَّة وقواعدَ الشرع العامة.

الوُعَّاظُ والدعاةُ إلى الله يدعون إلى البرِّ والتقوى، ويُحذِّرون من السوء، ويربِطون الأمة بقيادتهم علماء وقادة.
الآمِرون بالمعروف والناهون عن المنكر ورجالُ الحِسبة يقومون بواجبِهم بتوجيه المجتمع، وإصلاح الأخطاء، والأخذ بيدِ المُخطِئ وتوجيهه بحكمةٍ وموعظةٍ حسنة وطريقةٍ سليمة إقناعًا له ليبتعِد عن الشر عن قناعةٍ وعلمٍ بأن هذا ضرُره وأذاه.

الإعلاميُّون يقومون بواجبِهم خدمةً لدينهم وقضايا أمتهم، وينشُرون ما فيه الخير للخلق في دينهم ودنياهم، مع الالتزام بالصدق والدقَّة في الأحداث والأخبار.

رجالُ الأموال يُنفِقون من أموالهم ما فيه صلاحُ الأمة، ويُوظِّفون أموالَهم بما يُسعِدُ الأمة في حاضرها ومُستقبلها.

رجالُ الاقتصاد مهمتهم النهوضُ بالأمة اقتصاديًّا وإبعادهم عن الربا، والنهوض بها علميًّا وصناعيًّا وزراعيًّا وطبِّيًّا.
رجالُ السياسة يقودون المجتمعَ المسلمَ ليكون أقرب إلى الصواب والحق، وبالعلاقة الخارجية يُقيمون علاقةً ودِّيَّة وتعاوُن فيما يُصلِح الأمة ويدفَعُ عنها الشر والبلاء.

رجالُ الأمن يقومون بواجبِهم بالوقوف لحفظ الأمن، والأخذ على يدِ المجرمين والمُفسدين والعبِثين بأمن الأمة وحماية الثُّغور.

رجالُ القضاء يُقيمون قواعد العدل والإنصاف في إيصال الحقوق إلى أهلها، المُنفِّذون لأمور الدولة ما يضعون من لوائح وقرارات تكون مناسبةً ُوافِقُ شرعَ الله، ولا تختلفُ مع شيءٍ من تعاليم الإسلام.
المُوظَّفون في الدوائر الحكومية يُؤدُّون واجبهم الوظيفي عن صدقٍ وأمانة مع البُعد عن المِنَّة والرِّشوة.
الرجل الدبلوماسي المسلم يقوم بتمثيلٍ حقيقيٍّ لبلاده، ويحمل رسالةً صادقةً عن أمته ودينه، ويتحلَّى بالأخلاق الفاضلة، ويُدافِعُ عن قضايا دينه.

أمة الإسلام:

يمرُّ العالمُ الإسلاميُّ اليوم بمراحل من أخطر ما يرى المؤمنُ في حياته، ويُواجِهُ ظروفًا وتحدِّياتٍ صعبة، ويُعاني من انقسام وتفكُّك بين أبنائه ونزاعٍ بينهم، وتدخُّلٍ سافرٍ في شؤونه، وهجومٍ شرسٍ من أعدائه، ويُحزِنُ المسلمَ ما يُشاهِدُه من هذه الفوضويات والبلاء التي أدَّت إلى انعِدام الأمن، واختلال النظام، وتعثُّر الحياة اليومية ومصالح الأمة، وما حصل من تبديد للأموال ونهبٍ للمُمتلكات وسفكٍ للدماء البريئة، حتى فارقَ بعضُ المسلمين ديارَهم فرارًا من تلك الفتن والمصائب.

إنما يقُضُّ مضاجع العبدِ المسلم الذي يحمِل غيرةً على عقيدته، وشفقةً على أمته، ورحمةً من هذه الدماء تُسفَك بغير حقٍّ.

ولنا في هذه الأحداث الأليمة المُحزِنة وقفاتٌ لنتوجَّه بها إلى المعالم للخروج من هذه الأزمات والتحدِّيات العظيمة:

فأولاً: لا يخفى على المسلم أن سرَّ قوة الأمة الإسلامية وصمام أمانها: تمسُّكها بكتاب ربها وسنة نبيها - صلى الله عليه وسلم -، فكلما تمسَّكت الأمة بدين ربِّها كانت قويةً عزيزةً ثابتةً مُجتمعة، تهابُها أعداؤها ويحسِبون لها حِسابَها، وكلما تخلَّت الأمة عن دينها وانغمسَت في الشهوات والأهواء كلما ضعُف شأنُها، وانقسمَ أبناؤها، وتكالبَ الأعداءُ عليها، وهانَت في عيون أعدائها.

الإسلامُ يرفُضُ التخريب والإرهاب والإخلال بالأمن، ويرفُضُ سفكَ الدماء ونهبَ الأموال وانتهاك الأعراض، الإسلام هو الحقُّ الحالي القادر على تلبية حاجات الأمة وتحقيق مطالب أبنائها بوجود مجتمعٍ تسُودُه العدالة، وتتكافؤُ فيه فرصُ الحياة الكريمة، وتحقيق الأمور العادلة وحفظ الحقوق، الإسلامُ هو الخيارُ وحده، فأيُّ شعارٍ جاهليٍّ أو دعوةٍ إلى غير الإسلام فدعوةٌ مردودةٌ.

على المسلمين جميعًا أن يتقوا الله في أنفسهم، ويسعَوا في حل مشاكلهم من غير تدخُّل من أعدائهم، والحذَر من الفتنة الطائفية أو النَّيل من الإسلامية.

على علماء الأمة أن يقوموا بواجبهم المأمول؛ من حرصٍ على حماية المجتمع المسلم، وتقديم القرآن وبرامج واقعية لحل مشاكل الأمة وتجنيبها الفتن والمصائب.

أيها المسلمون:

على قادة الشعوب الإسلامية إقامة العدل، ومحاربة الفساد، وجعل مصالح الشعوب في أولويات مهماتهم، وعلى الرعيَّة أن يلتفُّوا حول قادتهم، ويسعَوا في حل المشاكل بالطرق السِّلمية بعيدًا عن هذه الفوضى، وسفكِ الدماء وتدمير البلاد.

أيها المسلم:

إننا إذا تأمَّلنا واقعَ هذا البلد حينما نرى اهتمام قائم الشعب وإنفاق الغالي والنَّفيس في سبيل راحة الأمة وسلامتها وتجنيبها الفتن، ثم ما نُشاهِدُه أيضًا من التِحام الرعيَّة مع رعيَّتهم والعلاقة القوية بين الراعي والرعيَّة، وما أثر ذلك من أمنٍ واستقرارٍ وثبات؛ نعلمُ أن هذا أُنموذج حقٌّ يجبُ أن تقتدي به الدولُ التي تُعاني من هذه الظروف الحرِجة، لتعلَم أن الإسلامَ هو الذي يصلُحُ لحلِّ هذه المشاكل لما فيه من التوازُن بين الأفراد كلها.

أمة الإسلام:

إن مما يُسبِّبُ القلقَ الشديدَ هذا الغزوُ الإعلاميُّ الثقافيُّ المُنظَّم الذي يرمِي إلى إضعاف العقيدة والإيمان في قلوب الناشِئة، وتمييع أخلاقهم، وإضعاف شخصياتهم، لقد ترك هذا الغزو أثرَه السيء على الشباب والناشئة، فأصبحت الشخصية غيرُ إسلامية، مجال الاحترام والتقدير عند بعضهم قلَّ ليس في الظاهر فقط؛ ولكن في تميُّع السلوك، وتميُّع الأخلاق، ونبذ الحياء، ونشر الرذِيلة.

أيها المسلم:

إن هذا الغزو المُنظَّم يحتاجُ إلى أن يُقابَل بإعلامٍ جيِّد يُكافِئُ هذا الغزوَ المُنظَّم بقنواتٍ إسلامية يقومُ عليها طاقَمٌ إعلاميٌّ جمعَ بين الشرع وفقهِ الواقع والصناعة الإعلامية، لتُوصِل كلمة الحق إلى الجميع.

أيها المسلمون:

إننا في عهد العولَمة التي يفرِضُ القويُّ ثقافتَه على الضعيف ويسعى في طمسِ هويَّته، فالواجبُ على المسلمين المُحافظة على هويَّتهم المسلمة، والثبات على مبادئهم ومُسلَّماتهم عقيدةً وشريعةً وأخلاقًا مما دلَّ الكتابُ والسنةُ عليه، سواء يتعلَّق بالعقيدة، أو بالعبادة، أو بتحكيم الشريعة، أو بالحلال والحرام، أو بنظام الأُسرة وشأن المرأة، أو بالأخلاق والقِيَم، يجبُ أن نُحافِظَ على هذه محافظةً عظيمة، وألا نتنازلُ عن شيءٍ منها تحت أي ظرفٍ من الظروف، وخيرُ مطلبٍ لهذا إيجاد نِطاقٍ بين أمة المسلمين يتفقون فيه على تلك المبادئ لتكون أرضيَّةً مناسبة للتعامُل مع الأُمم والمُنظَّمات والمواثيق الدولية، في التعاوُن على العمل المُشترك النافع مع التحفُّظ على ثوابت الإسلام وقِيَمه.

أيها المسلم:

إن الفهمَ الصحيحَ للإسلام في صورته الناصِّعة وشموليَّته هي السلفيَّة حقًّا التي كان عليها أصحابُ رسول الله والتابعون لهم بإحسانٍ، وسارَ عليها أتباعُهم من الأئمة الأربعة فمن بعدَهم، هذه السلفية لها في الإسلام معالم؛ فمن معالمها:

أنها المِثال القويم، والصراط المستقيم الذي أُمِرنا به: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام: 153].
ومن معالمها أيضًا: أن الكتاب والسنة مصدر التشريع والعلم والمعرفة، وأن السلفية لا [30:07] إلزامية، ترفضُ النَّيلَ من قُدسيَّة الكتاب والسنة وتأويلهما وتحريفهما لأَن يوافقَ العقل البشري.

ومن معالم السلفية الصالحة: أنها لا ترى عصمةً لأحدٍ من البشر بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهما بلغَ من الزهد والتُّقَى والورع، فالعصمةُ لمحمد - صلى الله عليه وسلم -.

ومن معالم السلفية أيضًا: أنها ترى أن التوحيد هو أهم الأمور، فالبداءة به والدعوة إليه من أوجب الواجبات، لأجله خلقَ الله الخلقَ، ولأجله أنزل الكتب، ولأجله أرسل الرسل. فليس عند السلفية خُزعبلاتٌ وخرافاتٌ وتعلُّقٌ بالضرائح والشياطين والسحرة.

من معالم السلفية الصالحة: اعتمادُ فهم الصحابة للنصوص؛ لرسوخ علمهم وأخذهم ذلك من رسول الله، مع سلامة مُعتقَدهم واستقامة لُغتهم.

أيها المسلمون:

من معالم السلفية أيضًا: الفهمُ الشموليُّ للإسلام، وأنه منظومةٌ كاملة عقيدةً وعبادةً وتشريعًا وقِيَمًا وأخلاقًا سياسيَّةٍ واقتصاديَّةٍ وأخلاقيَّةٍ واجتماعيَّةٍ. فالسلفيَّةُ حركةٌ مُتجدِّدة تُواكِبُ العصر ومُستجدَّاته، فمن زعمَ أن السلفية جامدةٌ لا تملك رؤية الحياة ولا منهجًا لإصلاح المُجتمع ولا تملك برنامجًا لإصلاح الناس ولا منهجًا لإقامة سيادة المُجتمع؛ فقد أخطأ في هذا التصوُّر.

وخيرُ دليل على ذلك: الملكُ عبد العزيز - غفر الله له - لما أقام هذه الدولة الإسلامية الجديدة على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - امتدادًا للدعوة السلفية الصالحة التي قام بها الإمامان: محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود - رحمهما الله -، أقام هذه الدولة وأرسَى قواعِدَها على أصول الكتاب والسنة، وعلى مبادئ ناصِعة، وعلى منهجٍ سلفيٍّ صالح أثمرت الأمنَ والاستقرار والطمأنينة مع الأخذ بمُستجدَّات العصر وتطوُّراته في كل المجالات، حتى أضحَت الدولة دولةً يُشارُ لها بالبَنان، مع تقدُّمها وما حظِيَت بالرُّقِيِّ مع التحفُّظ والتمسُّك بهذه العقيدة السلفية الصحيحة.

أيها المسلمون:

إن هناك دعواتٍ تجري في بعض الدول الإسلامية تُنادِي بالحرية، بالعدالة، بالمُساواة، تحت مُراد الديمقراطية. نقول لهؤلاء: إن الإسلام سبق تلك المبادئ كلها من أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمن، وطبَّقها في أرض الواقع في حياةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين، ولكن مفهومُها في الإسلام غيرُ مفهومها في النُّظُم البشرية.

فالحريةُ في الإسلام: تحريرُ العبد من عبادة البشر، ومن عبادة المشاهد والقبور، ومن أسرِ الهوى والشهوات إلى أن يكون عبدًا صالحًا، فالإسلامُ لا يُقِرُّ دينًا غير دين الإسلام، ولا أن يُسوَّى فيه بين الحق والباطل والصلاح والفساد والخير والشر، يُحرِّم السفور والتبرُّج والعُريَّ والإباحيَّة.

الإسلامُ يدعو للعدالة، والعدالة في الإسلام جاء بها القرآن: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ [النحل: 90]، والعدلُ في الإسلام واسعٌ، معاملةُ العبد مع ربِّه، وتعامُله مع نفسه، وتعامُله مع مجتمعه، والعدلُ في الإسلام لا يتحقَّقُ إلا بتطبيق شرع الله وتطبيق حُدوده في القليل والكثير.

أيها المسلمون:

لا بُدَّ للمسلم أن يتأمَّل حقيقةَ دينه وأن يعلَم أن هذا الدين دينٌ كاملٌ.

وكذلك المُساواة: ساوى الإسلامُ بين البشر كلهم، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى .. [الحجرات: 13] الآية، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «الناسُ من آدم، وآدمُ من تُرابٍ».
ساوَى بين الذكر والأنثى في الكرامة الإنسانية، والحياة الكريمة، والتكاليف الشرعية، والعقوبات الأُخروية إلا أنه يرى لكلٍّ من الرجل والمرأة خُصوصية في بعض الأحكام، مع مُراعاة الضعف الخَلقيّ والاجتماعيّ والنفسيّ وأعطى المرأة حقَّها، وأنزلها مكانها اللائق بها، وحماها من ظلم الجاهلية.

هذا دينُكم، فاستعِزُّوا به، وثِقُوا به، وتمسَّكوا به، واعلَموا أنه جمعَ لكم خيرَي الدنيا والآخرة، وأنكم بِغِنًى به عما سواه من أنظمة البشر.

أيها المسلمون:

يا من جمعكم الله بأُخُوَّة الإسلام ورابِطة الإيمان! اتقوا الله في أنفسكم، واحذَروا مكائدَ أعدائكم المُندسِّين بينكم، الذين يُريدون فُرقتكم وإشعالَ فتيل العداوةِ بينكم وبين قادتكم.
فاتقوا الله في أنفسكم، واحترِموا الدماءَ والأموالَ والأعراضَ، اجعلوا مصالحَ الأمة فوق كل اعتبار، وتناسَوا لأجلها أيَّ خلافٍ فكريٍّ ورأيٍ لأَن يُعِزّ الإسلام، اسعَوا في حل مشاكلكم بالعقل والحكمة لا بسفك الدماء وتدمير المُمتلكات.

أيها القادة:

اتقوا الله في شُعوبكم، وعالِجوا قضاياهم الاجتماعية؛ من الفقر والجهل والبطالة والحِرمان، وإياكم وإرعابهم، إياكم أن تُرعِبوهم أو تُوجِّهوا الأسلِحةَ التي اتخذتُموها لعدوكم في وجوههم، إياكم أن تسلُكوا في وجوههم طريقَ التقتيل والحرمان والتجويع لأجل إسكات كلمتهم. فهذا أمرٌ باطلٌ لا يُقِرُّه مسلمٌ، أمرٌ باطلٌ لا يرضاه الله - جل وعلا -.

يا مُلاَّك القنوات الفضائية! اتقوا الله في أنفسكم، واعلموا أن مسؤوليتكم نحو دينكم ونحو مُجتمعكم مسؤوليةٌ جَسيمة، فاحرِصوا على أن تكون قنواتكم جامعةً لكلمة الأمة مُحذِّرةً لها من الوقوع في الاختلاف، احذَروا أن تُسخِّروها لتشتيت الأمة والدعوة إلى الفوضى وسفك الدماء وتدمير المُمتلكات.

يا صانِعي القرار في المجالس الدولية والمناصب الأُممية! لا يخفى عليكم أن من خواصّ المسلمين: تمسُّكهم بدينهم وثباتهم عليه واعتزازهم به، فكونوا على حذَر عند سنّ أي قانون يُخالِفُ شرعَ الله ألا يكون مزري للأمة، وألا يُمارَس عليها ضغوط لأجل قبول هذه الآراء التي تُخالِفُ دينَها وعقيدَتَها، ففي هذا أمور وفوائد:
أولاً: احترامُ إرادة الشعوب الإسلامية في الثبات على دينها؛ ليتحقَّقَ السِّلمُ والأمانُ العالمي.
ثانيًا: اكتسابُ هذه الدول ثقةَ المسلمين والنظر إليها إيجابيًّا، والتعامُل معها فيما يُصلِح الأمة، مع التحفُّظ على ما يُخالِفُ شرعَ الله.

حُجَّاج بيت الله الحرام:

اشكُروا الله على نعمته أن أوصلَكم إلى هذه البلاد المُقدَّسة، فأتيتموها ووجدتموها أمنًا وأمانًا، فاحمَدوا الله على هذه النعمة.

احرِصوا - بارك الله فيكم - على أن تُؤدُّوا هذه الشعيرة بصدقٍ وإخلاصٍ مُتَّبعين كتاب ربكم وهديَ نبيِّكم - صلى الله عليه وسلم -.

انظروا بعين البصيرة ما وفَّق الله هذه البلاد من هذا الأمن وهذا الاستقرار والارتباطَ بين الراعي والرعيَّة، ثم انظروا ما قُدِّم للحُجَّاج من تسهيلات؛ من توسِعاتٍ في الحرمين والمشاعِر والخدمات المُتنوِّعة المُقدَّمة لهم، كل هذا بفضل الله، ثم باهتمام قادة هذا البلد - وفَّقهم الله لما يُحبُّه ويرضاه -.
إن هناك مُندسِّين في الأمة يُريدون إفسادَ الحج والشغب والبَذاء، فكونوا عينًا ساهِرة، ويدًا واحدة، وسدًّا منيعًا أمام المُفسِدين.

أيها المسلمون:

إن الحجَّ في الإسلام لم يأتِ للمُهاتَرات والمُساومات والشِّعارات الجاهلية والآراء الشخصية، ولا لأغراض سياسية ومبادئ بغيضة؛ إنما جاء لعبادة الله - جل وعلا - والتقرُّب إليه، وجمع الكلمة وتأليف الصف ووحدة الأمة المسلمة، فاحذَروا مكائد الأعداء.
لم يأتِ الحجُّ لأجل أن يكون منبرًا سياسيًّا ومنبرًا للمُهاترات، فكل هذا مما يأباه الإسلام، فاتقوا الله في أنفسكم.

عباد الله:

اشكُروا الله على هذه النعمة، وادعُوا لولاة هذا البلد بالتوفيق والسداد، كم بذلوا من إحسان وبذلوا من جهود، وأمَّموا السُّبُل، وبَذَلوا كلَّ الخدمات في سبيل راحة الحُجَّاج.

حُجَّاج بيت الله الحرام:

أنتم في يومٍ من أفضل الأيام، يوم عرفة ذلك اليوم العظيم الذي أكمل الله به الدين، وأتمَّ به النعمة، ورضِيَ الإسلام لنا دينًا، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة: 3].
هذا يوم عرفة، «خيرُ الدعاءِ دعاءُ عرفة، وخيرُ ما قالَه النبيُّون من قبلي يوم عرفة»، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «خيرُ ما قلتُ أنا والنبيُّون يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير».

هذا يومٌ ما رُئِيَ الشيطانُ أحقَر ولا أصغر ولا أدحَر مما رُئِيَ فيه يوم عرفة، هذا يومٌ ينزِلُ الله فيه إلى سمائه الدنيا فيُباهِي في الأرض أهلَ السماء: «انظروا إلى عبادي، أتَوني شُعثًا غُبرًا ضاحِين، أُشهِدُكم أني قد غفرتُ لهم».

هذا يومٌ عظيمٌ، قِفوا به - بارك الله فيكم - إلى أن تغرُبَ الشمسُ، وكل عرفة موقفٌ، وتحرَّوا حدودَها وأعلامَها، وكونوا في هذا اليوم مُخلِصين لله، مُتضرِّعين بين يديه، راجِين من رحمته، خائفين من عقابه، تقرَّبوا إلى الله بذكره ودعائه والتضرُّع بين يديه؛ فإنه قريبٌ مُجيبٌ.

قِفوا بعرفة إلى غروب الشمس، ثم صلُّوا في عرفة الظهرَ والعصرَ جمعًا وقصرًا - كما سنفعله إن شاء الله -، انصرِفوا منها بعد غروب الشمس ولا تنصرِفوا قبلَه، ائتُوا مُزدلِفة وصلُّوا بها المغربَ والعشاءَ جمعًا وقصرًا متى ما وصلتُم إليها، وبِيتوا بها، ولكم الانصرافُ بعد نصف الليل، والأفضلُ للقادِر أن يبقى حتى يُصلِّي بها الفجرَ، ثم ينصرِفُ منها، انصرِفوا من مُزدلِفة إلى مِنَى وارمُوا جمرةَ العقبة، ثم احلِقوا أو قصِّروا، وقد حلَّ لكم كلُّ شيءٍ ما عدا النساء، وإن طُفتم بالبيت وسعيتم بين الصفا والمرة فقد حلَّ كل شيء حرُم عليكم حتى النساء.
ثم ارمُوا الجِمار في الأيام الثلاثة بعد الزوال في يوم الاثنين والثلاثاء ويوم لمن تعجَّل ويوم الأربعاء لمن تأخَّر، ثم ودِّعوا البيتَ وارجِعوا بسلامٍ وأمان.

عباد الله:

إن الموتَ نهايةُ كل حيٍّ: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: 26، 27]، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران: 185]، فبموتِ الإنسانِ تنقطِعُ أعمالُه ويحصُل الجزاءُ والحسابُ.

تذكَّر - أخي المسلم - ساعةَ الاحتضار، ومفارقتك لهذه الدنيا، وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق: 19].

تذكَّر - أخي - القبرَ وظلمتَه وأنه إما روضةٌ من رياض الجنة أو حفرةٌ من حُفر النار.

تذكَّر أخي - الوقوفَ بين يدي الله في ذلك الموقف العظيم والهول الشديد، في يومٍ كان مِقدارُه خمسين ألف سنة، يومٌ نقِفُ بين يدي الله عاريةً أبدانُنا، حافيةً أقدامُنا، شاخِصةً أبصارُنا، تذكَّر ذلك اليوم العظيم الذي تدنُو فيه الشمسُ على قدر مِيلٍ من رؤوس العباد، ويُزاد في حرِّها، وتصهُرهم الشمس، فيكون العرقُ على قدر أعمالهم؛ منهم إلى عقِبَيْه، ومنهم إلى حقوَيْه، ومنهم من يُلجِمُه العرقُ إلجامًا.

تذكَّروا يوم العرض على الله: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة: 18]، تذكَّر - أخي - يوم الجزاء والحساب، تذكَّر يوم تُعطَى كتابك إما بيمينك أو بشمالك، تذكَّر ميزان الأعمال: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [المؤمنون: 102، 103].
تذكَّر - أخي - يوم يُؤذَن للمؤمنين بدخول الجنة، وتذكَّر يوم يُنادِي المُنادي: يا أهل الجنة! إن لكم أن تنعَموا فلا تبأَسوا، وأن تصِحُّوا فلا تسقَموا، وأن تشِبُّوا فلا تهرَموا، وأن تحيَوا فلا تموتوا.

تذكَّر يوم يُنادي المُنادي: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعدًا يريد أن يُنجِزكموه. قالوا: ما هو؟ ألم يُبيِّضُ وجوهَنا ويُدخِلنا الجنةَ ويُنجِينا من النار؟ قال: فيكشِفُ الحجاب فينظرون إلى وجه الله، فما أُعطوا نعيمًا بعد هذا النعيم.

تذكَّروا يوم يُنادي المُنادي: يا أهل الجنة! خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار! خلودٌ فلا موت.
توبوا إلى الله من سيئات أقوالكم وأعمالكم توبةً نصوحًا، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم: 8]، حافِظوا على فرائض الإسلام من الصلاة والزكاة والصوم والحج والأخلاق الكريمة، وابتعِدوا عما حرَّم الله عليكم.

اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذِلَّ الشركَ والمُشركين، ودمِّر أعداءَ الدين، وانصر عبادك المُوحِّدين، واجعل اللهم هذا البلد آمنًا مطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وألِّف بين قلوبهم، وأصلِح ذات بينهم، وانصرهم على عدوِّك وعدوِّهم.

اللهم أصلِح قادة المسلمين، واجمع بينهم وبين رعيَّتهم على خير حال، وجنِّبهم الفتنَ ما ظهر منها وما بطَن.
اللهم وفِّق إمامَنا إمامَ المسلمين عبدَ الله بن عبد العزيز لكل خير، اللهم كن له مُعينًا ونصيرًا، اللهم أمِدَّه بالصحة والسلامة والعافية، اللهم وفِّقه لرِضاك، واجعله مُبارَكًا على نفسه وعلى مجتمعه وعلى المسلمين أجمعين.

اللهم ارحم الأميرَ سلطان بن عبد العزيز، واغفر له وارحمه، وجازِه عن الإسلام والمسلمين خيرًا.
اللهم وفِّق وليَّ عهدنا نايف بن عبد العزيز لما تُحبُّ وترضى، اللهم كن له مُعينًا ونصيرًا في كل ما أهمَّه، ووفِّقه للصواب، إنك على كل شيءٍ قديرٌ، اللهم وفِّق جميعَ المسلمين لطاعتك، اللهم اجزِهم عنا خيرًا.
والشكرُ موصول لرئيس اللجنة المركزية خالد الفيصل - وفَّقه الله وأعانه بالصحة والعافية -.
أسأل الله أن يُوفِّقني وإياكم لما يُحبُّه ويرضاه.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: 201].
سبحان ربك رب العزَّة عما يصِفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمدُ لله رب العالمين، وصلَّى الله وسلَّم وبارَك على عبد الله ورسوله محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
==================
خطبة عرفات - 9 ذى الحجة 1432هـ - مسجد نمرة بصعيد عرفات - سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ مفتى عام المملكة العربية السعودية

   طباعة 
0 صوت
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
العزيز , 1432هـ , مفتى , مكتوبة , عام , المملكة , خطبة , عرفات , الشيخ , عبد
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 7 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

المقالات المتشابهة المقال التالية
جديد المقالات
جديد المقالات
بيان في فضل شهر محرم وصيام عاشوراء - نفحات شهر الله المحرم
الأضحية ..أحكامها - نفحات شهرى ذى القعدة وذى الحجة
فضل العشر من ذي الحجة - نفحات شهرى ذى القعدة وذى الحجة
خطورة التكفير وضوابطه - الدعوة الى الله
سمة الاعتدال والوسطية - الدعوة الى الله

RSS

Facebook

Youtube

القائمة الرئيسية
تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
عدد الزوار
انت الزائر :850287
[يتصفح الموقع حالياً] 25
الاعضاء :0 الزوار :25
تفاصيل المتواجدون
مواقيت الصلاة
التقويم
New Page 1

تبرع بواسطة باى بال

Powered by: MktbaGold 6.5
جميع الحقوق محفوظة لـ شبكة أهداف
انت الزائر رقم : 850287 يتصفح الموقع حاليا : 25