وأخرج أبو داود عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: "كان أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يصومه: شعبان، ثم يصله برمضان".
وهل علمتم معشر الأنام؛ سبب تخصيص نبيكم عليه أفضل الصلاة والسلام؛ هذا الشهر المبارك بالصيام؟ لأنه شهر ترفع فيه الأعمال؛ إلى ربكم الكبير المتعال، فعن أسامة بن زيد – رضي الله عنهما – قال: "قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهراً من الشهور ما تصوم من شعبان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ذلك شهر يغفل الناس عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم" (أخرجه أحمد والنسائي).
فطوبى لمن رفع عمله وهو شهيدٌ أمامه يدل عليه، وشفيعٌ يشفع له إلى ربه تبارك وتعالى في قبول ما اكتسبه بيديه.
وصُمْ يومك الأدنى لعلك فـي غـــــدٍ تفوز بعيد الفطــر والنـــاس صُــــــومُ
هذا شهر كثير الخيرات والعطاء، يطلع فيه الرب تبارك وتعالى فيغفر لجميع خلقه إلا لمن اتخذ من الله إلهاً آخر من الشركاء، ومن كانت بينه وبين أخيه المسلم شحناء فعن أبي موسى الأشعري t عن رسول الله r قال: "إن الله ليطلع ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن" (أخرجه ابن ماجه).
فيا ويح من جعل نفسه للمسلمين خصيماً، تالله لقد ارتكب إثماً عظيماً، واقترف جرماً جسيماً، فما أعظم شحناء القلوب، يوم قرنها علام الغيوب، بالشرك الذي هو أشنع الذنوب، فهل أنت منتهي من خصومة إخوانك؟ وهل أنت مرتدع عن مشاحنة أقرانك؟
واعلم أيها الإنسان: أن الليل والنهار خزانتان، فانظر ما تضع فيها من الإحسان أو العدوان؟
فكن أخي المسلم من السعداء الذين اغتنموا مواسم الخيرات، وما فيها من فضائل الشهور والأيام والساعات، وتقربوا إلى مولاهم بما فيها من الطاعات، عسى أن تصيبهم نفحة فضل ورحمة من تلك النفحات، فيسعدوا بها سعادة يأمنون بها من النار وما فيها من اللفحات.
مضى أمسك الماضي شهيداً معدلاً وأعقبـــــه يــوم عليــــــك جديـــــــد
فيومــك إن أعتبتـــه عــــاد نفعــــــــه عليك وماضي الأمـــس ليس يعــــود
فإن كنت بالأمس اقترفــــت إســــاءة فثـــن بإحســــان وأنـــــت حميــــــد
فلا ترج فعل الخير يــوماً إلـــى غـــــد لعـــــل غداً يأتـــي وأنــــــت فقيـــــد
بارك الله لي ولكم في الفرقان والذكر الحكيم، ووفقنا للإعتصام به وبما كان النبي الكريم، عليه أفضل الصلاة وأكمل التسليم، من الهدي القويم، والصراط المستقيم.
أقول ما تسمعون واستغفر الله الغفور الحليم، لي ولكم من كل ظلم وجرم إنه هو التواب الرحيم.
]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19) لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ[ الحشر ]18-20[.
واعلموا معشر الإخوة الأخيار، أن أعظم عيش يعيشه العبد في هذه الدار، وأكرم غرس يغرسه ليجني ثمرته في دار القرار: أن ينقطع إلى الواحد القهار، مع ملاحظة الانكسار، ودوام الافتقار.
ومسك الختام، معشر الإخوة الكرام، ترطيب الأفواه بالصلاة والسلام، على خير الأنام، امتثالاً لأمر الملك القدوس السلام، حيث قال في خير كلام: ]إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً[ ]الأحزاب 56[.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين، إنك حميد مجيد.
وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة الحنفاء المهديين، أولي الفضل الجلي، والقدر العلي،: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن آل نبيك وأزواجه المطهرين من الأرجاس، وصحابته الصفوة الأخيار من الناس، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، اللهم إنا عبيدك، بنو عبيدك، بنو إمائك، نواصينا بيدك، ماض فينا حكمك، عدل فينا قضائك، نسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحد من خلقك، أو استأثرت به في غياهب الغيب عندك: أن تجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا.
اللهم آمنا في الأوطان والدور، وادفع عنا الفتن والشرور، واصلح لنا ولاة الأمر، واشرح لتحكيم كتابك الصدور، والبس أميرنا ونائبه ثوب الصحة والعافية والطهور، برحمتك يا عزيز يا غفور، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
اذكروا الله ذكراً كثيراً، وكبروه تكبيراً،[وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ]
خطبة الجمعة من دولة الكويت